ابن عجيبة

17

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقيل نزلت في صلاة الخوف حين همّ المشركون أن يغيروا على المسلمين في الصلاة . فالله تعالى أعلم . ثم قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تشهدوا معه سواه ، وتوكلوا عليه يكفكم أمر عدوكم ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فإنه يكفيكم أمرهم جلبا ودفعا ، من توكل على اللّه كفاه . الإشارة : ما جرى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من قصد القتل والإذاية يجرى على خواص ورثته ، وهم الأولياء - رضى اللّه عنهم - والعلماء الأتقياء ، فقد همّ قوم بقتلهم وسجنهم وضربهم ، وإجلائهم من أوطانهم ، فكف اللّه أيديهم عنهم ، وكفاهم شرهم ، لمّا صححوا التوكل عليه ، وأخلصوا الوجهة إليه ، ومنهم من لحقه شئ من ذلك ، كما لحق بعض الأنبياء - عليهم السّلام - زيادة في شرفهم وكرامتهم ، جمع اللّه لهم بين مقام الشهادة والصديقية ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * . ثم ذكر وبال من نقض العهد ترهيبا وترغيبا ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 12 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 ) قلت : النقيب : هو كبير القوم والمقدّم عليهم ، ينقب عن أحوالهم ويفتش عليها . والخائنة : إما مصدر ؛ كالعاقبة واللاغية ، أو اسم فاعل ، والتاء للمبالغة ، مثل : راوية ونسّابة وعلّامة . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ على أن يجاهدوا مع موسى - عليه السّلام - وينصروه ، ويلتزموا أحكام التوراة ، وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً اخترناهم وقدمناهم ، على كل سبط نقيبا ينقب عن أحوال قومه ، ويقوم بأمرهم ، ويتكفل بهم فيما أمروا به . روى أن بني إسرائيل لمّا خرجوا عن فرعون ، واستقروا بأوائل الشام ، أمرهم اللّه تعالى بالمسير إلى بيت المقدس ، وهي في الأرض المقدسة ، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون ، وقال : إني كتبتها لكم دارا وقرارا ، فأخرجوا إليها ، وجاهدوا من فيها من العدو ، فإني ناصركم . وقال لموسى عليه السّلام : خذ من قومك اثنى عشر نقيبا ، من كل